شريان الحياة
"بين أزقةٍ ضيقة تكتظ بـ وجوهٍ أرهقها الحرمان، تُرسم مأساة يومية في حييّ السنينة والمعلمي بمديرية معين؛ حيث يغدو الحق في 'حياة كريمة' مجرد حلم بعيد المنال. هناك، لا تتوقف المعاناة عند حدود الطرق الوعرة أو فيضان المجاري، بل تمتد لتصبح كارثة حقيقية مع كل قطرة مطر تحول الحيّين إلى مستنقعات من العزلة والأوبئة. إنها صرخة استغاثة لواقع لم يعد يحتمل التأجيل، ومطالب مشروعة لتوفير أبسط مقومات العيش الآدمي."
ومن هنا جات الحاجة الى مشروع "تعزيز الوصول الى العدالة المجتمعية (PIAJY)" المنفذ من قبل مؤسسة تنمية القيادات الشابة بالشراكة مع برنامج الامم المتحدة الانمائي (UNDP) من شهر مايو 2023م وحتى شهر أغسطس من عام 2024م، في المديريات المستهدفة لتعزيز الوصول إلى العدالة من خلال بناء قدرات اللجان المجتمعية، مما يعزز قدرتهم على التفاعل مع السلطات في تقديم الخدمات للمجتمعات المحلية وتعزيز مبدأ المشاركة المجتمعية، من أجل حل المشكلات المتواجدة فيها وتخفيف المعاناة.
تلك الصعوبات آثرت على الأهالي وعلى ممارستهم لحياتهم اليومية وسببت لهم القلق الشديد، تقول إحدى النساء: "تعرضت ابنتي لكسور خطيرة بسبب وعورة الطريق، وكان من الصعب الوصول إلى الطريق العام بسهولة لجلب احتياجاتي".
بناء درج ومسح الطرقات
كانت الحياة تتسم بالصعوبات والمخاطر نتيجة للظروف الصعبة التي كانت تواجهها المنطقة، فمعظم المنازل مبنية بشكل عشوائي على منحدرات جبلية والشوارع ضيقة وغير معبدة، ما جعل التنقل فيها صعبًا وخطيرًا، خاصة للنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، والبعض منها اغلق بسبب المخلفات التي تجرفها الأمطار، تقول إحدى النساء المهمشات: " انزلقت قدمي في هذا الطريق وكنت حامل بطفلي وهذا ما أدى الى حدوث ولادة مبكرة وخوفي من أن أفقده".!.
سعى الجميع بجهود متواصلة، يعملون بجد واجتهاد لبناء المدرجات بأنفسهم، مما عكس مدى المعاناة والحاجة الملحة له. ما بين عامل في البناء وحارس للمواد تقاسموا المهام وقدم الجميع كل ما يستطيع لبنائه والتسريع في وتيرة العمل، ولم يكن الأهالي من شيوخ وشباب هم من ساهم فقط، فالتجار من الموردين كانت لهم مساهمة وهي توفير مواد بناء جدران ساندة على طول بعض الطرق التي رُصفت، وما ألهمهم هو تفاني أهالي الأحياء في العمل والمبادرة، والدور الفعال للجان المجتمعية في رفع مستوى الوعي المجتمعي وحشد الدعم والذي يعزز من روح التكافل والمشاركة المجتمعية والاستدامة.
وما جعل هذه المبادرة تلقي تجاوبًا هائلًا من المجتمع المحلي، -من خلال ابداهم الرغبة في التطوع وتسهيل الإجراءات- هو أنهم من قاموا بتحديد الاحتياج لحل مشكلات تقف حائلا بينهم وبين القيام بمهامهم اليومية بشكل سلس، ليتم إصلاح وبناء 7 مدرجات ومسح 5 طرق كانت بعضها تربط بين خمس حارات في المنطقة تكبد ساكنيها مشقة الالتفاف من طرق ملتوية وبعيدة للوصول إليها والتنقل بينها، ليتحوّل العبء الذي كان لا يُطاق إلى فرصة للتعاون، وتصف منسقة المشروع آمال القطاع النتائج قائلة:" رؤية الطلاب والطالبات يصلون إلى مدارسهم بسهولة وفرحة شيء يدعو للفخر والامتنان".
تحسين البنية التحتية وتوفير المياه
وعورة الطرق كانت تشكل عقبة أمام وصول المياه بسهولة إلى أهالي الأحياء، ليحدثنا أحدهم قائلاً: "تصل شاحنات نقل المياه بصعوبة الى منطقتنا وهذا ما يضطرنا ان ندفع مبالغ باهظة" ويحدث هذا نتيجة لسوء الطرق، لتم توجيه الجهود نحو تحسين البنية التحتية وتوفير المياه في الحارات المستهدفة وتوفير 5 خزانات مياه بسعة 5000 لتر و8 خزانات بسعة 4000 لتر، مما ساهم في تقديم المياه بشكل مستمر وبتكلفة معقولة للأهالي، وستسعى اللجان المجتمعية في مواصلة توفير الدعم لملئ الخزانات بشكل دوري ومستمر. كما تم صيانة خطوط المجاري في حارتين لحل مشكلة تجمع مياه الأمطار والصرف الصحي، وبفضل إصلاح البيارة المهترئة، تم تحسين الصحة العامة والسلامة البيئية في المنطقة ليصبح الحي مكانًا آمنًا ومفعما بالحياة بفعل الجهود المشتركة التي أظهرت كيف يمكن لمشاريع التنمية أن تخلق أثراً مستداماً.
براميل النظافة
لم تكن وحدها سيارات نقل المياه ما يصعب دخولها الى المنطقة وحسب، فدخول عربات النظافة لتنظيف الشوارع أمرًا صعبًا أيضا، ونتيجة لغياب براميل القمامة وزيادة الكثافة السكانية بالإضافة إلى وجود النازحين، تتناثر النفايات في الشوارع دون رقابة، مما يعزز من انتشار الأمراض بشكل كبير، لتأتي الحاجة الملحة إلى إتمام تلبية الاحتياجات الأساسية وتوزيع مجموعه 95 برميلاً للقمامة في المناطق المستهدفة، مما ساهم في تجميع النفايات في نقاط محددة ومنع انتشارها في الشوارع. هذا الإجراء سيعزز من مستوى النظافة العامة، ويحد من انتشار الأمراض المعدية، ويخلق بيئة صحية وجمالية للمنطقة.
لجان الأهالي وحياة جديدة
هذه كانت أسباب التدخل وتقييم الاحتياج عبر لجان مجتمعية - من أهالي المنطقة أنفسهم –، تم إنشاءها وتدريبها خلال المشروع لتعزيز مهاراتهم وليصبح الأهالي هم الشركاء الحقيقيون في عملية التنمية، من أجل المساهمة في ضمان استدامة الإنجازات، إذ إن مشاركتهم الفعّالة تسهم في الحفاظ على المكتسبات المحققة.
بجهود مجتمعية مباركة وإصرار يعانق السماء، كان للجان المجتمعية وجميع من ساهموا في تحقيق هذا الإنجاز الفضل الكبير في أن يتغلب الأهالي على التحديات وصنع حياة أفضل لهم ولأجيالهم، فهذه المبادرات تساهم في تحسين ظروف الحياة للجميع، وتعمل على إيجاد حلول للمشاكل التي يعانون منها، لتسهل لهم الوصول إلى الخدمات الأساسية والموارد والتعليم وفرص العمل والغذاء وذلك من أجل بناء مجتمعاتنا وتحقيق التنمية المستدامة والتي تتطلب جهوداً مستمرة وتعاوناً فعّالاً بين جميع أفراد المجتمع والسلطات.