فرحة وآثر مستدام
"لم نكن نبحث عن مجرد مشروع، بل عن تغيير حقيقي يترك أثرًا مستدامًا "
بهذا الحماس وصفت نور العجمي رئيسة مبادرة آثر رحلتها هي وفريقها على الرغم من أن مبادرتهن لم تحظَ في بدايتها بالدعم المجتمعي، إذ واجهت الشكوك والتردد من مختلف الجهات، لكن مع ظهور نتائج الجهود المبذولة على أرض الواقع، بدأت النظرة تتغير تدريجيًا، وبدأ الناس في تقديم يد العون والانضمام إلى المساعي الطموحة. لم يكن الهدف مجرد تنفيذ مشروع، بل إحداث تغيير جذري في طريقة تفكير الشابات وتعاملهن مع قضايا المجتمع.
حديقة مهجورة، في حي مكتظ بالسكان، تحولت مع مرور الوقت إلى مساحة مليئة بالمخلفات والنفايات، رغم المحاولات السابقة لتأهيلها. ومع ازدياد الحاجة إلى المساحات الخضراء في المنطقة، برزت ضرورة ملحة للتدخل وإعادة إحياء الحديقة، وهنا جاء دور الشابات من خلال "مشروع تعزيز القدرات الاجتماعية والاقتصادية للشباب والشابات اليمنيين".
عندما وقع الاختيار على هؤلاء الشابات ليكون قدرهن الانضمام إلى المشروع ليجتمعن من أماكن متفرقة ثم يصبح هدفهن وشغفهن واحد، منذ اليوم الأول في التدريب، شعرت المشاركات بشغف متزايد تجاه ريادة الأعمال والعمل المجتمعي، " لقد تعلمت مهارات جديدة وأصبحت أستطيع تحديد احتياجات مجتمعي ومشكلاته وإيجاد الحل له" هذا ما قالته يسرى، احدى شابات المبادرة، فلم يكن الأمر مجرد محاضرات نظرية، بل تجربة حية تفاعلن فيها مع المدربين والخبراء، وتعلمن كيفية تحليل احتياجات المجتمع، وإدارة المشاريع، ووضع الخطط الاستراتيجية، وإعداد الميزانيات وهذا ما جعلهن مستعدات للمرحلة القادمة من التنفيذ والتخطيط.
بعد اجتماعات مكثفة وإعداد دراسة شاملة، وتحديد وجهتهن القادمة التي تستهدف "حديقة عصر" في مديرية معين في أمانة العاصمة، أدركن أن المبادرة تحتاج إلى موارد كبيرة، إذ بلغت مساحة الحديقة (143 لبنة) وكانت مليئة بالتربة غير الصالحة، ما استلزم إزالتها واستبدالها بتربة جديدة، بالإضافة إلى توفير الشتلات الزراعية، وإنشاء شبكة ري، وترميم المقاعد، وتجهيز أماكن الاستراحة وألعاب الأطفال. بدأت الشابات في التواصل مع الجهات المختصة للحصول على التصاريح اللازمة، واستمر التواصل مع مدير المديرية لأكثر من شهرين، حتى تم انتزاع الموافقات الرسمية، بالإضافة الي جهودهن الحثيثة في البحث عن جهات جهة مهتمة بتوفير الألعاب للحديقة، وبالفعل وجدنها مما زاد من حماسهن ودفعهن للمضي قدمًا.
طريق الرحلة لم يكن ممهدًا، حيث واجهن العديد من العقبات، ففي البداية، لم يحظَ الفريق بالدعم الكافي، وكاد اليأس يتسلل إليهن، ولكن بإصرارهن وتجديد التصاريح من المجلس الأعلى لتنسيق وإدارة الشؤون الإنسانية في العاصمة، استطعن كسب ثقة الجهات المعنية. تواصلن مع إدارة الحدائق، التي رحبت بالمبادرة وسهَّلت الإجراءات، ثم مع صندوق النظافة والتحسين، الذي وافق على إزالة التربة القديمة.، من هنا بدء العمل بالفعل، زادت وتيرة الحماس، وتواصل الفريق مع وزارة الأشغال العامة، التي زودتهن بتربة زراعية خصبة، فتم نقل 35 قلابًا من التربة الجديدة، ومسح الأرض، وتهيئتها للزراعة، وقام مهندسون مختصون بزيارة الموقع لتقديم المشورة، وتوفير الشتلات الضرورية. لم يكن المشروع مجرد إعادة تأهيل لحديقة، بل كان نقطة تحول في وعي المجتمع بأهمية الحفاظ على المساحات العامة والكثير من المحاولات والتشبيك مع جهات مختلفة ليفتح هذا باب علاقات مع العديد من الجهات المحلية.
بعد رؤية الإنجازات على أرض الواقع، بدأ الأهالي في المشاركة، حيث شاركوا في التشجير وري الأشجار، وكان المشهد الأكثر تأثيرًا هو بسمة الأطفال وفرحتهم عند دخول الحديقة لأول مرة بعد تأهيلها، وبفضل جهود الفريق، تحولت الحديقة إلى مساحة آمنة تحتضن العائلات والأطفال، مع توفير 19 مقعدًا، وأربع استراحات، وإنارة بالطاقة الشمسية، ومصدر مياه، وتجهيز ممرات مناسبة للجميع. ساهمت الحديقة في تحسين الرفاهية الفردية، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وجعلت الحي نموذجًا يُحتذى به في التعاون المجتمعي.
لم يكن تأثير المشروع لحظيًا، بل امتد ليؤثر على سياسات السلطات المحلية، فبعد الجهود التي بُذلت، تم تضمين الحديقة ضمن ميزانية البلدية لعام 2025م، بعد أن ظلت خطط تحسينها معلقة منذ عام 2004م، حيث استُكملت أعمال التأهيل والتشجير بتوجيه مباشر من مدير عام الحدائق في أمانة العاصمة، مما ساعد على رفع مستوى التنسيق المؤسسي وتوفير دعم فني وتقني لاستدامة المبادرة. كما تمّت إضافة ألعاب كهربائية إلى الحديقة كمساهمة مجتمعية من رجال أعمال محليين، في لفتة تعكس التكاتف المجتمعي، لتخدم ما نسبته 78% من سكان المنطقة من العائلات وأطفالهم، الأمر الذي عزز من مكانة الحديقة كمساحة عامة نابضة بالحياة، وأسهم في تحسين جودتها، وتوفير بيئة آمنة ومبهجة لسكان الحي. مما عكس ترابط الجهود في تنفيذ " مشروع تعزيز القدرات الاجتماعية والاقتصادية للشباب والشابات اليمنيين" من قبل مؤسسة تنمية القيادات الشابة، وتمويل المجلس الثقافي البريطاني ودعم السلطات المحلية، ومكّن المشاركات من تصميم وتنفيذ أنشطة مجتمعية واقتصادية مستدامة، حيث كان للمرأة فيه دور بارز في قيادة هذا التغيير، أظهرت فيه الشابات قدرات تنظيمية وإدارية عالية، كان الصبر والمرونة مفتاح النجاح، حيث تعلمن أن التغيير يحتاج إلى وقت وإصرار، وأن العمل الجماعي قادر على تجاوز العقبات وتحقيق المستحيل. لم تكن هذا المبادرة مجرد إعادة تأهيل لحديقة، بل كان ولادة جديدة لمساحة تنبض بالحياة، وشهادة حية على قوة الإصرار والعمل الجماعي. ما بدأ كفكرة واجهت التردد والشكوك، تحول إلى نموذج ملهم يعكس كيف يمكن للشباب - وللشابات تحديدًا- أن يكونوا صناع تغيير حقيقي. اليوم، أصبحت الحديقة رمزًا للأمل، ومصدرًا للفخر، ودليلًا على أن التغيير المستدام يبدأ بفكرة جريئة، تتحول إلى واقع بإرادة صلبة وعمل دؤوب. وبينما تواصل الأشجار نموها، ستظل هذه الحديقة شاهدًا على قصة نجاح كتبتها نساء ملهمات، أعدن تعريف الممكن، وأثبتن أن لكل فكرة أثرًا، لكن الأثر الحقيقي هو ذاك الذي يدوم."