اسحب

قصص ملهمة

المعادلة الصعبة

المعادلة الصعبة

 

كانت فرحتي، وفرحة أسرتي أكبر من أن توصف؛ فهو يوم تخرجي وحصولي على درجة البكالوريوس في علوم الحاسوب.. لقد استطعت التغلب على ظروف الحرب التي طال أمدها في بلدي اليمن، وأكملت دراستي الجامعية.

كانت رحلتي الدراسية شاقة جداً، في ظل تلك الظروف القاسية والكارثية، وكان النجاح الحقيقي -بالنسبة لي- يتمثل في الانتصار على هذا الوضع وإكمال الدارسة. وبسيرة ذاتية متواضعة بدأت أشق طريقي وأطرق أبواب العديد من الجهات ساعيا في الحصول على اي فرصة عمل، لكن أغلب الجهات كانت تحكم إغلاق أبوبها أمام الشباب  والشابات حديثي/ات التخرج مثلي؛ فالخبرة العملية كانت أهم الشروط التي توضع عند الإعلان عن أي وظيفة.

 إنها المعادلة الصعبة التي تواجهه أغلب الخرجين في اليمن، فالخريج مثلي يريد أن يجد عملا، لكن العمل يتطلب خبرة، ولكي يحصل على الخبرة يجب ان يجد عملا !

ولكي استغل وقتي أثناء بحثي عن وظيفة فقد أشغلت نفسي بالانضمام إلى بعض الأنشطة المجتمعية عبر مؤسسة تنمية القيادات الشابة، وشاركت في العديد من التدريبات والأنشطة التي تقيمها المؤسسة، وفي شهر أبريل من العام 2018م قرأت إعلانا عن فتح باب التسجيل في برنامج التطوع في مؤسسة تنمية القيادات الشابة لمدة ثلاثة أشهر، ويهدف البرنامج إلى المساهمة في بناء قدرات الشباب حديثي التخرج وتزويدهم بالمهارات العلمية والعملية الأساسية التي تساعدهم على دخول سوق العمل، و ذلك عبر التدريب والتطبيق العملي في وحدات المؤسسة، تحمست جدا وسارعت في التسجيل في البرنامج لعلمي أن مثل هذه الفرصة لا تعوض؛ فالمؤسسة -من وجهة نظري- من المؤسسات الرائدة والقليلة التي تعطي مثل هذه الفرص الحقيقية للتطوع داخل وحداتها. وتم قبولي بحمد لله وكان البرنامج فعلا فرصة غيرتني نحو الافضل.

أثناء البرنامج تطوعت في وحدة المتابعة والتقييم في المؤسسة، وكان المشرفون في الوحدة يزودونني بجميع ما أحتاجه من معلومات حول آليات العمل ونماذج المتابعة والتقييم لمشاريع المؤسسة، و كانت تتاح لي الفرصة لممارسة العمل فعلياً، والقيام بالزيارات الميدانية لمواقع العمل وإصدار التقارير.. علاوة على ذلك كان يفتح لي المجال في طرح الاقتراحات والآراء، ويتم تقديرها والأخذ بها في حال كونها مناسبة، وكان لهذا دور كبير في منحي الثقة الكبيرة بنفسي وبقدراتي وساعدني في تنمية مهاراتي القيادية، وتعلمت كذلك القدرة على اتخاذ القرارات بشكل سليم وكذلك كيف أعمل بشكل فعال  ضمن الفريق.

 استطعت من خلال التطوع أن أربط دراستي الجامعية بالعمل الذي أرغب في مواصلة التطور فيه.. لم أكن أشعر خلال فترة البرنامج أني متطوع؛ فالمهام والصلاحيات التي كانت توكل إلي جعلتني أشعر بأني فرد من أفراد فريق المؤسسة.. أسرتي وأصدقائي لم يكونوا  مقتنعين بفكرة التطوع، و كانوا ينصحونني بترك التطوع ومتابعة البحث عن وظيفة لأن التطوع مضيعة للوقت و بلا فائدة.

لم تكن اسرتي تعلم في ذلك الوقت أن تطوعي هو ما سيفتح لي أبواب الرزق، فبعد انتهائي من البرنامج بفترة بسيطة استطعت أن أحصل على وظيفة مناسبة في إحدى المؤسسات المحلية (منظمة سول) ، فالخبرات و المهارات التي اكتسبتها خلال البرنامج ساعدتني كثيرا في تطوير سيرتي الذاتية، وهذا ما ساعدني على اجتياز عدة مراحل في تقديمي للوظائف.. ابتداء من تطوير سيرتي الذاتية بحسب الخبرات والمهارات التي اكتسبتها خلال البرنامج.. وصولا إلى تجاوز الاختبارات النظرية وإظهار الخبرة العملية أثناء المقابلات التي تنفذ من أجل التوظيف.

حاليا أعمل في منظمة إنترسوس الدولية في شمال اليمن و قد تمت ترقيتي إلى ضابط متابعة وتقييم للمشاريع بعد أن كنت ضابط متابعة ما بعد التوزيع، حين لاحظ المشرفون على عملي قدرتي العالية على قيادة الفريق و خبرتي العملية في المتابعة والتقييم والعمل في الميدان وقد أبلغني مديري بأني بعد فترة أستطيع ان أكون مديرا للوحدة بشكل كامل.

 تغيرت قناعات أسرتي حول التطوع، وقد دعموا أخي الأصغر للانخراط في العديد من الأنشطة التطوعية، كذلك العديد من أصدقائي سارعوا في التطوع بعد ملامستهم للتطور في  حياتي العملية.

أدعو دائما الطلاب والطالبات عند البحث عن الخبرة العلمية والعملية إلى اغتنام أي فرص تطوعية تأتي في طريقهم؛ ففي تجربة التطوع سيجدون ضالتهم لا محالة و ستفتح لهم ابواب كثيرة من الفرص وتغير حياتهم إلى الأفضل .