من صراع الجفاف إلى زراعة الأمل
في محافظة الضالع، حيث تمتد الأراضي القاحلة وتصبح الموارد الطبيعية شحيحة، يعيش المزارعون تحت وطأة تحديات قاسية: الجفاف المزمن، تدهور التربة، وتكاليف زراعية باهظة لا تقابلها عائدات كافية. هنا، تتشابك قصص الكفاح اليومي مع الآمال البسيطة لتأمين الحياة. وسط هذه المشاهد، تبرز قصة شاب حول معاناته كأحد هؤلاء المزارعين حيث تتحول إلى نموذج إلهام، يجسد التغيير الممكن عندما يتوفر الدعم المناسب.
عبد الرحمن البحاح، الذي يبلغ من العمر 31عاما، يعيل اسرة مكونة من 3 إناث و4 ذكور- بالإضافة الى والديه -، في قرية الجليلة بمديرية الضالع، كان أحد هؤلاء القليلين، يملك أرضاً صغيرة، لكنه واجه صعوبات كبيرة لاستثمارها، فزيادة التكاليف المالية، دون تحقيق مردود كافٍ بسبب تدهور التربة وانخفاض جودة المحاصيل، اضطرته إلى البحث عن طرق بدائية لتجميع المياه، كاستخدام الأغطية البلاستيكية الكبيرة لتحتفظ بالمياه كخزان صغير، لكن ذلك لم يكن كافياً لري الأرض بأكملها. يقول عبد الرحمن: "كنت أرى أرضي تموت أمام عيني، ولم أكن أملك ما يكفي من المال أو الوسائل لإنقاذها." وهذا ما جعل اعالته لأسرته أمر يثقل كاهليه وعبئا يتزايد يوما بعد يوم.
عندما علم عبد الرحمن من أحد أفراد القرية عن مشروع دعم سبل العيش للزراعة والرعي، الذي تنفذه مؤسسة تنمية القيادات الشابة بدعم من الحكومة اليابانية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، شعر بالأمل لأول مرة منذ سنوات ورأى فيه فرصة قد تغير مسار حياته، فهذا المشروع، الذي بدأ في أغسطس 2023م، ركز على تعزيز نظم الري عالية الكفاءة لتحسين استدامة المياه وتوفير الأدوات الحديثة للمزارعين في المناطق المستهدفة.
جاء تقييم الاحتياج مذهلا، فكونه أحد المستفيدين هذا يعني تلقيه دعماً حيوياً غيّر مسار حياته، شمل الدعم حلول جذرية لمشاكل لطالما عانى منها لسنوات طويلة، حيث يقول: " لطالما عانيت من مشكلة الري وعفونة التربة، ونقص البذور وهذا ما جعل إنتاجي أقل من إنتاج مزارع غيري"، واصفا ما يحدث له بالكارثة اليومية، جعلته وأسرته في دائرة من الفقر والمعاناة.
لم تكن النتيجة أقل من معجزة بالنسبة لعبد الرحمن. يقول مبتسماً: "مع شبكة الري بالتقطير، لم أعد أخشى نقص المياه، وأصبح بإمكاني زراعة أصناف جديدة بجودة أعلى."
ساعده الدعم على تنويع محاصيله وزيادة الإنتاج وتوفير المياه بنسبة 60% مقارنة بالري بالغمر، ما أدى إلى ارتفاع دخله الشهري بشكل كبير. أصبح قادراً على تغطية احتياجات أسرته الأساسية، بل وتمكن من استثمار أرباحه في تحسين أرضه. بفضل البذور المحسنة التي حصل عليها بجانب مضخة المياه، استطاع عبد الرحمن زراعة محاصيل أكثر، ما أضاف بُعداً جديداً لاستدامة نشاطه الزراعي.
لكن عبد الرحمن لا ينوي التوقف هنا، ويطمح في المستقبل إلى تركيب منظومة طاقة شمسية لتشغيل مضخة المياه، ما سيمكنه من تقليل تكاليف الوقود (الديزل)، كما يخطط لبناء او شراء خزان مياه دائم لتعزيز استدامة نظام الري في مزرعته، فطموحه لا يعرف الحدود، وساعيا لجعل مزرعته نموذجًا يحتذى به في منطقته، فما حصل لعبد الرحمن هو شهادة حية على أهمية الدعم التنموي الموجه لتحسين سبل العيش، وبفضل المشروع، انتصر على تحديات بيئية واقتصادية قاسية، وأصبح مثالاً ملهمًا لكيفية تحويل التحديات إلى فرص.